دور وسائل الإعلام في نشر اللغة العربية

إن الحديث عن دور وسائل الإعلام في نشر اللغة العربية متشعب وواسع، لكن لابد قبيل الدخول إلى هذا الموضوع وتفصيلاته من التأكيد على أهمية اللغة بوجه عام، وعلاقة أية لغة بالاتصال الإنساني.

فاللغة: وحسب التعريف الشائع هي المرآة التي تعكس الفكر، أو الوسيلة التي يتم بها التعبير عن الأفكار وتبادلها، فالعالم اللغوي (هنري سويت) يرى أنها التعبير عن الفكر عن طريق الأصوات اللغوية، وكان ابن جني ت392هـ قد رأى – في الخصائص – أنها أصواتٌ يعبّر كلّ قومٍ بها عن حاجاته.

ويعرفها العالم اللغوي (سابير) في كتابه اللغة: (بأنها وسيلة لتوصيل الأفكار والانفعالات والرغبات عن طريق نظام من الرموز التي يستخدمها الفرد باختياره.).

فما العلاقة بين اللغة العربية والإعلام الذي يتولّى نشرها؟ فاللغة تعد سمة من سمات الإنسان الاجتماعي التي بها يتميّز دون غيره من الكائنات الأخرى الموجودة في الطبيعة. وهي وسيلته إلى كل ما أنجزه من تراث، وأبدعه ويبدعه من حضارة. فباللغة تمايزت المجتمعات البشرية وبها تعارضت وتواصلت، وتتعاظم وظيفة اللغات وأهميتها يوماً بعد يوم مع التقدم البشري في الحضارة المعاصرة، حضارة الاتصال والمواصلة، حتى أضحى دورها يفوق كل دور جوهري كان لها في السابق. فالكلمة اليوم أكثر سيولة وأبعد مساراً عن طريق وسائل الاتصال الإلكترونية عبر الفضاء، وعبر الأقمار الاصطناعية.

واللغة ليست رموزاً فقط، وليست مواصفات فنية وحسب، بل هي إلى جانب ذلك، منهج فكر، وطريقة نظر، وأسلوب تصوّر، هي رؤية متكاملة، تمدّها خبرة حضارية متفردة ويرفدها تكوين نفسي مميّز.

فالذي يتكلم لغة، هو في واقع الأمر يفكر بها، فهي في كيانها تحمل تجارب أهلها وحكمتهم وخبرتهم وفلسفتهم وبصيرتهم.

والعربية هي من بين اللغات لغة عتيدة، ولغة حضارة، ولغة حيّة، هي لغة القرآن الكريم ووعاء العقيدة الإسلامية. ثم هي أداة الفكر العلمي في مرحلة ازدهاره «العصر الوسيط العربي الإسلامي»، فكانت لغة العلماء في العالم على مدى قرون ولغة الثقافة الخصبة المتنوعة، والفن الإنساني المبدع.

وقد تمكنت بفضل خصائصها أن تصبح لغة الإعلام اليوم باستعمالها أداةً للتبليغ عبر مختلف القنوات الإعلامية المكتوبة منها والمرئية والمسموعة على حد سواء، مع الإشارة إلى دورها الإيجابي الذي أدته وسائل الإعلام في تقريب الهوة بين العامية والفصحى.

وعلى الرغم من هذا الدور الإيجابي الذي قامت به على مستوى الاستعمال اللغوي في أجهزة الإعلام فقد اعترضتها عوائق من أهمها: وجود الأمية بنسب مرتفعة في البلدان العربية وبأرقام مختلفة، ومحدودية توزيع الصحف والكتب وغيرها من الوسائل المكتوبة لجهل الكثيرين بالقراءة، ولضعف التغطية الإذاعية والإعلامية وعدم شموليتها بعض المناطق العربية والتي بدأت بالتراجع بعد انتشار الصحون اللاقطة. وقد لعبت الإذاعة الصوتية دوراً إيجابياً في نشر الفصحى بين المستمعين العرب في كل مكان من الأرض العربية، كما استطاعت بعض برامج التلفزيون الموجهة إلى الأطفال الصغار تقريب الفصحى إلى ألسنتهم فيسرت عليهم التعامل بها فيما بينهم، وساعدت أجهزة الإعلام والاتصال في تحقيق التقارب بين مستويات التعبير اللغوية الثلاثة التي يمكن ملاحظتها في المجتمع العربي:

أما المستوى الأول فهو التذوق الفني والجمالي للأدب والفن، والمستوى الثاني العلمي النظري والتجريبي المستخدم في العلوم، والمستوى الثالث الاجتماعي المستخدم في الصحافة وأجهزة الاتصال بوجه عام.

والشواهد تثبت أن اللغة هي أقوى العوامل التي تجمع النطاقين بها، وهي أعظم قوة من القوى التي تجعل من الإنسان كائنا اجتماعياّ، ذلك أن اتصال الناس ببعضهم في المجتمع البشري لا يتيسر حصوله بغيرها، وإن وجود لغة مشتركة بين الأفراد في أية أمة من شأنه أن يكون رمزاً ثابتاً فريداً لتضامن الناطقين بها.

فاللغة هي أحد العناصر الضرورية لبقاء المجتمع وتماسكه، فوحدة الأهداف والمبادئ تدعو إلى البحث عن دلالة شاملة للأشياء والأفعال، وعناصر الوجود تتجسد في لفظ واحد مشترك يدل على هذا الشيء، أو الفعل، وبذلك يلعب اللفظ اللغوي دوره كمركز مشترك متفق عليه بين أفراد المجتمع كافة.

فاللغة الإعلامية أهم مظهر للمحافظة على كيان المجتمع، فوحدة الأهداف والمبادئ تدعو إلى البحث عن دلالة شاملة للأشياء والأفعال، وعناصر الوجود المختلفة تتجسد في لفظ واحد مشترك سيدل على هذا الشيء، أو ذاك الفعل.

فما حقيقة المستوى العملي العادي للغة الإعلام الذي يشكل أحد مستويات التعبير اللغوي القائمة؟ إن هذه المستويات جميعها تحدد من حيث تقاربها مدى سلامة المجتمع من ناحية، ومستوى ضعفه فكرياً من جهة أخرى.

إن الفرد في المجتمع المتكامل السليم، والمجتمع المنحل المريض هو في تقارب المستويات اللغوية في المجتمع الأول وتباعدها في الآخر. وإن تقارب مستويات التعبير اللغوي دليل على تجانس المجتمع، وتوازن طبقاته وحيوية ثقافته، ومن ثم تكامله وسلامته العقلية. فمن الثابت أن العصور التي يسود فيها نوع من التآلف أو التعادل بين المستويات العلمية والأدبية والعملية هي في الغالب حقب تاريخية تتصف بالرقي والازدهار، ولكن إذا كان المستوى اللغوي بعيداً البعد كلّه عن الآخر فهو دليل على التفاوت الفكري والمعرفي بين طبقات المجتمع، مما يؤدي إلى حالة من التدهور والتراجع والانحلال.

ويرى اللغويون أن لغة الصحافة والإعلام قد حققت الحالة التعادلية بين الخصائص اللغوية وبين شعبية الصحافة بالبساطة والسهولة والصحة، وبالابتعاد عن العامية في اللفظ، والسوقية في الفكر.

وتبرز مسألة الفصحى والعامية بوصفهما من أهم القضايا في علم الإعلام اللغوي في تحقيق الوظيفة التعادلية في اللغة بين الفصحى وتأثرها بالعوامل التاريخية والاجتماعية والنفسية والجغرافية، وبالتالي ظهور ما يسمى باللهجة العامية التي تبدو تحدياً من تحديات لغة الإعلام العربي، وقد رأى عباس محمود العقاد: (أن أحد أسباب التشعب وظهور اللهجات كان أمراً مثيراً ولافتاً في العصور الماضية، ولم تكن إلى جانب هذه الإثارة أسباب للتوحيد والتقريب تضارعها في القوة والتأثير، ولكن هذه الأسباب توافرت في العصر الحاضر بعد شيوع الصحافة والإذاعة والصور المتحركة، وقد تحقق من أثر هذا التقريب أن غدت العربية الفصيحة قريبة الفهم لغير المتعلمين، وقد دخلت في الفصحى أيضاً مفردات نافعة من ألفاظ الحضارة يمكن إجراؤها مجرى المفردات الفصحى بغير تعديل، أو ببعض من التعديل).

لقد نهضت وسائل الإعلام الجماهيري بمهمة تعميم اللغة العربية الفصحى لما لها من تأثير في التعبير والتوجيه والإقناع، وخاصة الوسائل المسموعة والمرئية التي تعتمد اللغة المنطوقة في هذا الزمن الذي تلوح في أفقه نذر إضعاف اللغة العربية الفصيحة.

إن صورة التأثير السريع على آلاف وملايين الإرادات الفردية وجمعها في إرادة واحدة هي إرادة الأمة سوف يكون محتماً أن تثير هذه الحقيقة أقصى قدر ممكن من الاهتمام بالاتصال الإلكتروني، ولعلَّ هذا الهدف هو في طليعة الأهداف التي ينبغي على وسائل الإعلام أن تعمل من أجل تحقيقه، وهو يندرج في إطار دق ناقوس الخطر تجاه التحديات التي تحدق بالأمة العربية، وإرثها الحضاري والثقافي بالرهان على قدرة اللغة العربية على الاستمرارية والبقاء.

وحين نخص التلفزيون كوسيلة إعلامية ودعائية مهمة في إطار تعميم الفصحى بوصفه من أكثر وسائل الاتصال الجماهيري انتشاراً وديمقراطية كونه يحظى بالاهتمام من قبل معظم شرائح المجتمع، ويملك القدرة الخارقة للوصول إلى الخلية الأساسية في البناء الاجتماعي وهي الأسرة، ولأن البث التلفزيوني يتمتع بقدرات تكنولوجية عالية قادرة على اختراق الحواجز وتخطّي الحدود القطرية، كما أن الكلمة المنطوقة والصورة المتحركة من العوامل المساعدة في قدرة التلفزيون على تحقيق مفهوم الخبر الاجتماعي كونه يعمل على ثلاثة اتجاهات مؤثرة:

  • الاتجاه العلمي التربوي في نشر المعارف والمعلومات.
  • الاتجاه المعرفي؟ تكوين وجهات نظر حول مجمل المعارف.
  • الاتجاه التنبؤي وهو توقع لما سيحدث في المستقبل.

ووفق هذه الوظيفة التي يقوم بها التلفزيون والإذاعة في نشر الفصحى بمرونة ويسرٍ... الأمر الذي أدى إلى أقلمة سريعة للعالم الدائم التغير.

وإن التركيز على أهمية تعميم الفصحى لينبثق من الشعور والإدراك الواعي لحقيقة مفادها: أن العالم أجمع – نظراً لمكانة الدور العربي الإيجابي والبناء في عملية التواصل الحضاري – يخاطبنا بلغتنا العربية الفصيحة، وليس باللهجة السودانية أو المغربية مثلاً.

فالعربية تحتل المرتبة الثالثة من اللغات المستخدمة في الإذاعات الأجنبية بعد الإنكليزية والفرنسية. إذ تستخدم ما يقارب السبعين محطة إذاعية أجنبية اللغة العربية، وللنهوض برسالة الإعلام اللغوية لابد من تكوين الإعلاميين تكويناً يستند إلى تنمية قدراتهم على التفكير المتزن، وتكوين الاتجاهات والقيم، واتخاذ القرار المناسب.

إن اعتماد وسائل الإعلام للعربية الفصيحة في عملية الاتصال الجماهيري وتضييق الخناق على اللهجات المحلية، وعدم الخلط بين الفصحى والعامية، يستند إلى إرث حضاري زاهر رفد الحضارات الإنسانية الأخرى بعلومه واكتشافه، إضافة إلى سمة البيان والفصاحة التي تتحلى بهما اللغة العربية، وحسب تعبير المستشرق (جب): لعل خير ما أسدته الآداب العربية الإسلامية لآداب أوروبة أنها أثرت بثقافتها وفكرها في شعر ونثر العصور الوسطى. ولم يذكر هذا المستشرق تأسيسات الفيلسوف ابن رشد للفلسفة العقلية في أوروبة القروسطوية وهي تعيش تحت هيمنة اللاهوت الدوغمائي.

إن الإعلام بعد إفادته من الأقمار الصناعية التي حولت العالم إلى قرية صغيرة بات يترك آثاراً سلبية وإيجابية على مجمل الحياة العامة وبخاصة(3) في الدول النامية، لذلك ينبغي على وسائل الإعلام العربي أن تسعى إلى مؤالفة العامية للفصحى وتذويبها فيها، واعتبار اللغة الفصحى لغة له، أما العامية فهي لغة الجهل، وذات تأثير بالغ في تجزئة الأمة العربية وضعفها.

وقد أبدى الإعلاميون خلال المؤتمرات التي عقدت في أرجاء الوطن العربي حرصهم على الاهتمام بلغة الإعلام واتفقوا على جملة من التوصيات في هذا المضمار:

  • وقف المد الإعلامي العامي، والارتقاء عن التداول الإعلامي الاستهلاكي للغة. لأن فلسفة الحياة والناس لا تعني الهبوط إلى ركاكة التعبير.
  • الحد من ازدواجية اللغة داخل البيئة التعليمية وخارجها.
  • العناية بتعزيز مهارات العاملين في وسائل الإعلام المرئي والمسموع للتحدث بالفصحى الميسرة، وتنمية مهاراتهم في هذا الاتجاه.
  • التصدي لطغيان اللهجات العامية، والاستعلامات العامية والأجنبية المتفشية في أقطار الوطن العربي.

فالإعلام هو التعبير الصادق عن عقلية الجماهير وروحها وميولها في تكوين وتطوير الوعي الاجتماعي بهدف تشكيل النوعية الاجتماعية، والنفسية لمعتقدات الناس، ووجهات نظرهم بحيث تلبي رغبات ومتطلبات المجتمع الحديث. فالمفهوم الأساسي في العمل الإعلامي هو الخبر الجماهيري الموجه إلى شرائح المجتمع كافة، بحيث يساعد على تفهم المشاكل الاجتماعية العامة وكيفية معالجتها، والعمل على تكوين رأي عام موحد تجاه المسائل الحيوية. لذلك يطلق على المؤسسة الاجتماعية التي تسمى الإعلام (السلطة الرابعة).

ونظراً لأهمية الدور البالغ للإعلام يفترض أن تكون له لغته الخاصة والمعبرة التي تكتسب المرونة واليسر وفي هذا المجال يقول عالم اللغة (أوتو جسبرس). للتعبير في اللغة مزايا عديدة لكن المثل الأعلى للغة يظهر في مستقبلها لا في ماضيها، فاللغة هي صورة انعكاسية لواقع المجتمع وظروفه وتعبير عن ثقافته وعاداته وتقاليده.

إن العلاقة بين التغيرات الاجتماعية الكبيرة والتطور اللغوي من الأمور التي لاحظها اللغويون المعاصرون، وفي هذا يقولون: إن وراء الثورة اللغوية في فرنسا تختبئ الثورة الفرنسية فلغة الأدب الفرنسي هي لغة الفلسفة لعصر الأنوار الذي فصل بين عالمي: العصور الوسطى والعصور الحديثة، ولا سيما لغة من هيّأ للثورة البورجوازية الفرنسية 1789– جان جاك روسو، فولتير، مونتسيكو. لأن معنى التوسع في حقوق المواطن، هو توسع في محو الأمية، وانتشار المعرفة، ولغة الصحافة المعاصرة ليست إلا تطوراً لمراحل لغوية سابقة مرت بها الصحافة العربية، وهي استجابة لتطور الآلات المستخدمة في استقبال الأخبار وإرسالها وطبع الصحف وتوزيعها، ولذلك تمثلالصحافة إحدى الأدوات الأساسية للإعلام بما تؤديه من دور في تكوين الرأي العام وبلورته ودفعه إلى القراءة والتأثير فيه، وفي هذا المجال يقول نابليون: (إن أربع جرائد تستطيع أن تلحق الهزيمة بالعدو أكثر من جيش قوامه مئة ألف). ويرى (ماكلوهان): إن الصحافة ضرورية لإثارة الشعور القومي، فالصحافة هي النموذج البصري الذي ينتزع الناس من المحلية والقبلية والذي يتمثل دورها بالتطوير والتجديد في مجال ابتكار الألفاظ والنعوت والصفات الجديدة بحيث تضفي على اللغة قوة في مفرداتها وزيادة دلالاتها ومعانيها، وإضفاء صفة البساطة والوضوح والسلامة والتأكيد والإيجاز والانتصار على اللغة العامية.

إن البساطة مرغوب بها في كتابة الموضوعات الموجهة إلى الجماهير الواسعة ولكي تتحقق تلك البساطة لابد من الابتعاد عن بعض أشكال البديع والزخرفة اللفظية ونبذ السجع والجناس في لغة الصحافة والإعلام بوجه عام، وكذلك إقالة أنماط مرحلتي المماليك والعثمانيين وتجلياتهما في متون النهضة.

فمن النعوت الجديدة والصفات التي صنعتها الصحافة مثل: الدعاية السوداء – الغيرة الصفراء– الليلة الحمراء– الحقيقة الصارخة..... إلخ. وتعتبر الترجمة عن اللغات الأجنبية التي يعتمد عليها في مجال التجديد والتي يستخدمها الصحفيون، وقد تستخدم طرق الاشتقاق الذي يؤدي إلى إغناء اللغة عن طريق توسيع الدلالات وتحميلها من المعاني ما لم تكن تحمله من قبل. فمن المعايير التي تهتم بها لغة الصحافة. عدم الإكثار من استخدام الصفات والتخلي عن أدوات التعريف التي لا لزوم لها بما فيها ظروف الزمان والمكان والانتقال من أدوات الربط المباشرة كالحروف المختصة إلى أساليب الارتباط غير الصريحة واعتماد القارئ كبنية رابطة لخطة القراءة. فلغة الاتصال المعاصرة التي تستعملها وسائل الإعلام العربي ممثلة في الخبر والمقال الصحفي والحديث والتقرير والمقابلة الإذاعية والتلفزيونية نرى أنها لغة مباشرة تصل إلى الهدف الذي تقصده بطريقة فردية متجنبة اختيار الإيحاءات الجمالية والفنية، وهي أيضاً تتخلى بالتدريج عن العبارات المقتبسة والأنماط المحفوظة المتوارثة التي لم تعد تلائم روح العصر. ومن هنا كانت اللغة الإعلامية تؤثر أن تقول: عرض البحث بدلاً من عُرِض على بساط البحث، وقاتل بدلاً من خاض غمار القتال، واشتد القتال بدلاً من حمي وطيس القتال، وانتهت الحرب بدلاً من وضعت الحرب أوزارها، وتقول أيضاً شبت نار في القرية بدلاً شبت النار في القرية. كما تجنح إلى الاستغناء عن لغة ربط الكلمات، فتؤثر أن تقول: قال في حديثه بدلاً من وقد قال في حديثه.

وتميل لغة الإعلام إلى الجمل القصيرة عوضاً عن الجمل الطويلة فتقول: استغرقت المناقشة نحو ساعتين بدلاً من استغرقت المناقشة مدة تقرب من ساعتين.

بعد هذا العرض عن دور وسائل الإعلام بأشكالها الرئيسة، يجدر بنا الحديث عن دور الصحافة العربية التي كانت أولى وسائل الإعلام ظهوراً في العالم العربي، وهي التي أدت وتؤدي دوراً مهماً في نشر الوعي الاجتماعي، وقد تعددت عثرات اللغة الصحفية، وكثرت كبواتها وجنت أحياناً على الفصحى، ومن أهم هذه العثرات: غزو الألفاظ العامية لأسطر الصحف والمجلات وقلما تسلم صحيفة أو مجلة من ذلك، وهذا من أفظع ما جنته الصحافة على الفصحى. وقد استخدمت بعض الصحف صفحات كاملة يومية لنشر القصائد العامية وتمجيد شعرائها حتى صار أدب العامية أقرب طريق للوصول إلى الشهرة. وقد حمل الأديب مصطفى صادق الرافعي منذ نصف قرن حملة شعواء على الصحافة التي تأخذ بالعامية ورأى أن أكثر ما تنشره الصحف هو صناعة احتطاب الكلام، وقد بطل التعب إلا تعب التفتيش والحمل، فلم تعد هناك صناعة نفيسة في وشي الكلام، ولا طبع موسيقي في نظم اللغة، ولا طريقة فكرية في سبك المعاني.

كما تمتلئ صفحات الجرائد والمجلات بالإعلانات التي تصاغ بالعامية، وكذلك النشرات الإرشادية وأغلب مجلات الأطفال، ومن العثرات أيضاً التي تقع فيها الجرائد والمجلات شيوع اللحن والأخطاء النحوية، والأساليب اللغوية الركيكة على صفحاتها، ويرجع السبب في ذلك إلى ضعف إلمام المحررين بقواعد النحو والسرعة، وعدم الاعتناء بالأساليب اللغوية السليمة، وهناك ما يسمى في عالم الصحافة بالقوالب الجاهزة التي تصب فيها المادة الصحفية، وهذا ما نراه في كتابة خبر معين في كثير من الصحف وبطرائق متشابهة، وأن بعضاً منهم يستخدم ألفاظاً ومفردات أجنبية على الرغم من وجود لفظ عربي مقابل لها، وينشر إعلانات باللغة الإنكليزية أو الفرنسية أو سواهما.

ومن التحديات التي تواجه الإعلام العربي حرب اللهجات المستعمرة بين الإذاعات والفضائيات العربية، والتنافس المحموم لحيازة الريادة لنشر عامية هذه الإذاعة أو تلك الفضائية بين أكبر عدد من المستمعين أو المشاهدين، وقد نما هذا التلوث اللغوي بظهور المسلسلات والأفلام، وتطور هذا الأمر إلى برامج التراث والإعلانات وإلى البرامج الحوارية والعلمية أحياناً، ولا بد من الإشارة هنا إلى منافذ العامية في الإذاعة والتلفزيون التي تظهر لدى المذيعين والمذيعات، فأكثرهم لا يحسنون صياغة جملة فصيحة، وأخطر المنافذ البرامج الموجهة للأطفال التي ترنّح العامية في نفوس النشء، وهي في مرحلة يتشوقون فيها للمعرفة، ويسهل تأثرهم بما حولهم، وإن جولة واحدة في أحد المنتديات في الشبكة العنكبوتية لتصيب المرء بالذهول من شدة التراجع اللغوي الذي تشكو منه هذه المنتديات وتلك المواقع. فالفئة العمرية التي ترتاد تلك المواقع تتراوح في أغلب الأحيان بين سن العشرين إلى الثلاثين وحتى الأربعين. ومن الحلول المقترحة للقضاء على هذه الظاهرة الملوثة للغة وما تحمله من قيم.

  • محاربة العامية في الصحف والمجلات والقنوات.
  • التوعية الإعلامية بأهمية اللغة العربية وذلك بطريقة تلائم عصرنا.

بعد ذلك كله يحق لنا أن نتساءل نحن المعنيين بالمسألة اللغوية هل ينبغي أن يقتصر الاهتمام بهذا الموضوع على الجانب الاحتفالي «طقوس تمكين العربية» الذي لا يخلو من فائدة؟

إن المجتمع العربي يعاني نقصاً معرفياً مركباً وهذا ما أشار إليه بعض المفكرين العرب ومنهم المفكر العربي نبيل علي في كتابه العقل العربي ومجتمع المعرفة يرى جهلاً في المعرفة وجهلاً باللغة، وهناك أسباب عدة وراء هذا الجهل بالمعرفة، ما بين فلسفية واجتماعية ونفسية ومعلوماتية، وقصور في الأسس النظرية والوسائل العملية، فهو يرى: (أن أحد أهم أسبابها في رأيه الجهل باللغة صنيعة المعرفة وصانعتها، فمع كل الإنجازات التي تحققت في مجال اللغة خلال القرن الماضي، فإن اللغز اللغوي مازال يحتفظ بكثير من أسراره خصوصاً في إشكالية المعنى وهو بداهة ذو صلة بالمعرفة وكما هو معروف فقد حيرت إشكالية المعنى ومازالت الفلاسفة والعلماء والمناطقة). ويضيف أن اللغة هي منظومة قوامها ثلاثة عناصر رئيسة هي نظام القواعد، والمعجم ومجالات استخدامها أو توظيفها، ونحن نعاني قصوراً شديداً على هذه الجبهات الثلاث، فالتنظير للعربية قد شغله ظاهر اللغة عن الغوص في باطنها. وهو في أغلبه تنظير طابعه تلقيني يكتفي بتجميع حالات الاطراد والشذوذ، ويخلو من أي مسعى إلى تفسير السلوك اللغوي على ضوء العلم التجريبي الحديث.

ومن المفيد في نهاية هذا البحث أن أورد بعضاً مما قاله المفكر اللغوي د. عبد السلام المسدّي من مقالة له بعنوان «كيف تموت اللغة؟»:

(تموت اللغة بالهلاك الجماعي للناطقين بها كما حدث في العصور البدائية وفي بعض العصور الحديثة، وإذا كانت الحفريات قد تمكنت من العثور على جثتها المحشورة في الألواح أو في أدوات العيش كشواهد القبور، وهي في أحسن الأحوال تصبح وثيقة لتسليط الأضواء على زمن الناطقين بها، وفي الموت اللغوي فناء بيولوجي للإنسان، قد يتخذ الاحتضار البطيء وذلك عن طريق انحسار لنفوذ أصحابها وتلاشيهم، إما تلاشياً مطلقاً، أو مسخاً يطول هويتهم).

وعندي أن اللغة تنمو وتزدهر ولا خوف عليها من اللهجات العامية، فاللهجات موجودة في معظم اللغات الحية، فالعربية -رغم ما قيل ويقال- تعيش عصراً جديداً من التعايش مع الإنتاج المعرفي العالمي -رغم تقصير أبنائها في ترجمة المصطلح ولا سيما في العلوم الدقيقة- كما أن الدوريات القطرية والقومية تقرّب المسافة بين العاميات والفصحى، وأما وسائل الإعلام المرئية فإنها تخلق جواً جديداً من التعايش بين شطري العالم العربي: المشرق والمغرب، وكذلك تنقل الفصحى من القواميس إلى اللغة المعيشة المتداولة القادرة على التوصيل بين مستويات أبناء العربية، وإننا نرى أن الدعوة إلى تعليم اللغات الأجنبية الحية وتعلمها لا يغض من شأن العربية، بل على العكس فإن في هذا إثراً للغة تحب الأحياء، فلقد ازداد النطق بالفصحى بعد الثورة الإعلامية في العقدين الأخيرين بنسبة 60%، لكن تعلم اللغة الأجنبية يجب ألا يكون على أساس من الإزاحة والإحلال، إنما على مبدأ الإغناء والإثراء.

زهير عزت شحرور

إغلاق
يلزمك برنامج Adobe Acrobat للتمكن من تصفح العدد